هناك العديد من العناصر المتناقضة في مقاربة كامو للفلسفة. ففي كتابه )أسطورة سيزيف( قدم لنا كامو فلسفة تنازع الفلسفة نفسها. حيث ينتمي هذا المقال المطول بشكل مباشر إلى التقاليد الفلسفية للوجودية، رغم إنكار كامو على كونه وجوديا .تشكك أعماله )أسطورة سيزيف( والعمل الفلسفي الآخر )الإنسان المتمرد( فيما استخلصناه عن معنى الحياة بشكل منهجي، ومع ذلك يؤكد كلا العمليّ بشكل موضوعي على إجابات صحيحة حول الأسئلة الرئيسة التي تخص كيفية العيش .بدا كامو متواضعا في وصفه لطموحاته الفكرية، إلا أنه -كفيلسوف-، كان واثقا بما يكفي ليوضح فلسفته الخاصة ،إلى جانب نقده للدين، والنقد الأساسي للحداثة .بنى كامو صرحه الأساسي للأفكار حول المصطلحات الأساسية للتمرد والعبث، آملا أن يحلّ مسائل الموت والحياة المحفزة له، بينما يرفض، في الوقت نفسه، فكرة النظام الفلسفي بحد ذاتها.
تتعلق المفارقة الأساسية التي نشأت في فلسفة كامو بمفهومه المركزي عن العبثية .حيث يجادل كامو بأن البشر غير قادرين على الهرب من طرح سؤال: "ما معنى الوجود؟ ،"وهو بذلك يقبل الفكرة الأرسطية القائلة بأن الفلسفة تبدأ بالتساؤل . ومع ذلك، ينفي كامو وجود إجابة على هذا السؤال، ويرفض كل غاية علمية، غائية ،ميتافيزيقية، أو غاية بشرية مختلقة من شأنها أن توفر الإجابة الوافية .بالتالي، عندما قبل كامو أن الإنسان يسعى حتما إلى فهم الغاية من الحياة ،فهو قد اتخذ موقفا متشككا من بقاء العالم الطبيعي، الكون ، والمشروع الإنساني في حالة صمت تجاه أي غرض من هذا النوع .وبما أن الوجود نفسه لا معنى له، فالواجب علينا أن نتحمل الفراغ الذي يتعذر حله. وهذه الحالة المتناقضة بيّ طرح أسئلة مطلقة يستحيل الإجابة عنها بشكل واف، هي ما يطلق عليها كامو، العبثية .إذ تستكشف فلسفة كامو العبثية، العواقب المنبثقة من هذه المفارقة الأساسية.
أفضل التقاط لفهم عبثية كامو، تكمن في صورة سيزيف، وليس حجته ،حيث يجهد نفسه في دفع صخرته لأعلى الجبل، ويشاهدها تتدحرج، ثم نزوله خلف الصخرة للبدء من جديد في دائرة لا نهائية .ليس بوسع البشر، بعد ذلك، إلا أن يتساءلوا عن معنى الحياة، تماما مثل سيزيف، لنرى إجاباتنا تتعثر للأسفل مرة تلو الأخرى .إذا قبلنا هذه الأطروحة حول العبثية كأساس للحياة ،بجانب مقاربة كامو للأسئلة الفلسفية المناهضة للفلسفة، فلا يسعنا إلا أن نتساءل: ما هو الدور المتبقي للتحليل المنطقي والجدل؟ ألا يتزعم كامو الفيلسوف، موت الفلسفة في إجابته على سؤال ما إذا كان الانتحار تخليا عن ميدان الجدل والتحليل، والاستعاضة بصورة مجا زية للإجابة على السؤال؟ إن لم يكن للحياة غرض أو معنى يمكن لهذا العقل بيانه، فليس بمقدورنا إلا أن نتساءل لماذا نستمر بالعيش والتساؤل .ألم يكن سيلينوس محقا عندما تمنى أنه لم يولد، وتمنى لو يموت بأسرع وقت ممكن؟ وكما كتب فرانسيس جينسون قبل فترة طويلة من نقده الشهير لـ )الإنسان المتمرد( الذي عجل بكسر علاقة كامو وسارتر، أليست الفلسفة العبثية متناقضة في شروطها ،بمعنى أدق هي ليست بفلسفة على الإطلاق، بل هي حالة ضد العقلانية منتهية بالصمت؟) 1947 Janson(
هل كان كامو فيلسوفا بالفعل؟ هو بنفسه قال لا، في لقاء شهير مع جينيّ ديلباك في صحيفة LesNouvelles Littéraires في نوفمبر 1945، مؤكدا على أنه "لم يؤمن بالعقل بما يكفي ليؤمن بالنظام "
)Camus 1965, 1427(. لم يكن هذا مجرد موقف عام ،بما أننا وجدنا نفس الفكرة في دفاتر ملاحظاته الخاصة بتلك الفترة، والتي يصف نفسه فيها كفنان وليس فيلسوف لأنه بحسب قوله "أفكر وفقا للكلمات وليس الأفكار) "Camus 1995, 113(. مع ذلك، رأى جان بول سارتر أن كامو قد شرع في عمل فلسفي مهم، وفي مراجعته لرواية )الغريب( وفيما يتعلق بأسطورة سيزيف، لم يجد أي غضاضة في جمع كامو مع باسكال، روسو ،ونيتشه) Sartre 1962(. وبعدما أصبحا صديقيّ، تحدث سارتر عن فلسفة صديقه"العبثية" والتي ميزها عن فلسفته الخاصة، التي ق بِل فيها وسم "الوجودية" الذي رفض من كامو. ومنذ تلكالسنوات ،كانت سمة فلسفته غير النظامية، والمناهضة للفلسفة بشكل واضح، قد عنت أن عددا قليلا منالعلماء قدروا عمقها وتعقيدها. لقد أشادوا بإنجازاته الأدبية البارزة، وموقفه كسياسي أخلاقي، بينما اكتفوا بلفت الانتباه لادعاءاته المشككة، وحججه الإشكالية) .see Sherman 2008( إلا أن هناك استثناء مهم من هؤلاء وهو كتاب رونالد سريجلي )نقد ألبير كامو للحداثة()Srigley 2011(.
سوف يتناول هذا المدخل ازدواجية كامو المتعمدة كفيلسوف، إلى جانب مناقشة فلسفته. ولا يتعلق الأمر بمجرد عرض قراءة فلسفية لهذا الكاتب المسرحي، المقالي، الروائي، والصحفي، بل بتناول فلسفته على محمل الجد- مستكشفيّ لمقدماتها، تطورها ،بنيتها، وتماسكها . وإذا قمنا بذلك سنرى أن كتاباته تحوي أكثر من مجرد مزاج ،أو صور، وتأكيدات شاملة غير مدعومة ،بل تحتوي على أكثر من ذلك. يأخذ كامو شك وكه إلى أقصى حد ممكن كشكل من أشكال الشك المنهجي، بحيث يبدأ من افتراض الشك إلى أن يجد الأساس لاستنتاج خال من الشك .يبني كامو بنية فلسفة فريدة من نوعها ،والتي غالبا ما تترك بناها غير معلنة، ولا تُناقش بشكل واضح، لكنها تتطور في مراحل متميزة على مدار حياته القصيرة. يمكن، بالتالي، قراءة فلسفة كامو كجهد بارع لشرح ما يستلزمه عبثية الوجود الإنساني، وليس فقط تأكيده. في هذه العملية، يجيب كامو على الأسئلة المطروحة من )أسطورة سيزيف(، "لماذا يجب عليّ ألا أقتل نفسي؟ "وفي )الإنسان المتمرد( "لماذا يجب عليّ ألا أقتل الآخرين؟." 2-)أعراس( ونقطة انطلاق كامو
بحثت أطروحة كامو في جامعة الجزائر، العلاقة بيّ الفلسفة اليونانية والمسيحية، وتحديدا العلاقة بيّ أفلوطيّ وأوغسطيّ) Camus 1992(. مع ذلك، رفضت فلسفته الدين صراحة كأحد أسسها. لا يتخذ كامو موقفا معاديا وصريحا تجاه المعتقد الديني، رغم أنه أظهر ذلك، قطعا، في رواياته )الغريب( و )الطاعون(- التي تدور فيها أعمال كامو على اختيار العيش دون إله .الطريقة أخرى لفهم فلسفة كامو هي أن نعتبرها محاولة لاستكشاف المسائل والمزالق في العالم ما بعد الديني .
ظهرت كتابات كامو التي تحتوي على فكر فلسفي في كتابه )أعراس(، في الجزائر عام 1938، وبقيت أساسالعمله اللاحق .تصف هذه المقالات الغنائية متعة الوعي بالعالم، والجسد المبتهج بالطبيعة ،وانغماس الفرد فيالجسدية بصورة مطلقة .مع ذلك، تُقدم التجارب كحل لمشكلة فلسفية، أي إيجاد معنى الحياة في مواجهةالموت. وتظهر جنبا إلى جنب، لتكشف عن نفسها وتجذرها في أول تأمل موسع له حول الأسئلة المطلقة.
في هذه المقالات ،يضع كامو موقفيّ في المعارضة. الأول، وهو ما يعتبره مخاوف مبنية على الدين .حيث يستشهد بالتحذيرات الدينية حول الزهو، والاهتمام بروح الفرد الخالدة ،إلى جانب الأمل بحياة أخروية، والتخلي عن الحاضر والانشغال بالإله. في مقابل هذا المنظور المسيحي التقليدي، يؤكد كامو على ما يعتبره حقائق بدهية: أي أن الموت مصير حتمي لنا، وأنه لا يوجد شيء غير هذه الحياة. ومن دون ذكر لها، يرسم لنا كامو نتيجته من هذه الحقائق، أي أن الروح ليست خالدة . وهنا يثني كامو، كما في أي مكان في كتاباته الفلسفية ،على ق ـ راءه ومواجهتهم الواقع المربك بشكل مباشر دون إجفال، لكنه لا يشعر بأنه مضطر لتقديم أسباب أو أدلة .إن لم يكن في الدين، فأين تكمن الحكمة إذن؟ وإجابة كامو هي: في "اليقيّ الواعي بالموت دون أمل"، وفي عدم الهرب من حقيقة أننا سنموت جميعا .بالنسبة لكامو" لا توجد سعادة إنسانية خارقة ولا أبدية خارج منحنى الأيام...وليس باستطاعتي أن أرى أي مغزى في سعادة الملائكة) "N, 90(. لا يوجد شيء سوى هذا العالم، هذه الحياة، والحاضر المباشر.
يطلق على كامو أحيانا، رغم خطأ التسمية، مسمى "وثني "لرفضه المسيحية لأنها مبنية على أمل بحياة بعد هذه الحياة .الأمل هو الخطأ الذي يرغب كامو بتجنبه .حيث يحوي عمله) أعراس( استحضارا للبديل، في رف ض واضح لـ "ضلالة الأمل". يعتمد كامو في هذا الخط من التفكير على نقاش نيتشه لصندوق باندورا في كتابه )إنسان مفرط في إنسانيته(: جميع الشرور البشرية، بما فيها الكوارث والأمراض قد أسدلت على العالم بواسطة زيوس، لكن الشر والأمل المتبقي، قد بقي مخفيا في الصندوق ومحفوظا. لكن ربما نتساءل، لماذا، هل الأمل شر؟ يوضح نيتشه أن البشر وصلوا إلى رؤية الأمل على أنه الخير الأعظم، بينما معرفة زيوس تتجاوز ذلك، مما يعني أنه المصدر الأكبر للمصائب. وهو في النهاية، السبب الذي يجعل البشر يتعذبون، لأنهم يلمحون في الأفق جزاء خيّرا، مطلقا )Nietzsche 1878/1996, 58(. بعد قراءة متأنية لنيتشه ،فإن الحل التقليدي لكامو هو في الواقع الم شكل: حيث أن الأمل كارثي بالنسبة للإنسان، وذلك لأنه يقودهم إلى تقليص قيمة هذه الحياة وجعلها مجرد تحُضير لحياة بعدها.
إذا كان الأمل الديني مبني على اعتقاد خاطئ بأن الموت ،الذي هو انطفاء الروح والجسد انطفاء بشكل مطلقوكامل، ليس حتميّ، فإن ذلك سيقودنا إلى منعطف مظلم .وأسوأ من ذلك، يعلمنا هذا الأمل أن نشيح النظرعن الحياة، نحو شيء سيأتي لاحقا، ولذا فهذا الأمل الديني يقتل جزء منا، على سبيل المثال، الموقف العقلانيالذي نحتاجه لمواجهة تقلبات الحياة .ثم ما هو المسار المناسب إذن؟ يظهر لنا الشاب كامو هنا غير متشكك ولا نسبي. بل يعتمد بحثه على الدليل الذاتي للتجربة الحسية. فهو يدافع بالتحديد عما يتنكر له في المسيحية ،كعيش حياة مكثفة بكافة الحواس، هنا والآن في الوقت الحاضر. ويستلزم ذلك، التخلي عن كل أمل في الحياة الأخروية، وبالطبع نبذ التفكير بها. "لا أريد أن أؤمن بأن الموت مخرج لحياة أخرى .فبالنسبة لي، الموت باب مغلق) ".N, 76(.
ربما نعتقد أن مواجهة عدميتنا التامة ستكون أمرا مريرا، لكن هذا الأمر بالنسبة لكامو أمر إيجابي: "بيّ هذه السماء والوجوه المنصرفة نحوها ،لا يوجد شيء نعلق عليه الأسطورة، الأدب، الأخلاق، الدين- هناك فقط أحجار، ولحم، نجوم، وحقائق يمكن أن تمسها اليد) "N, 90(. هذه البصيرة تستلزم رفضا عنيدا:" فكل ما يحدث لاحقا في هذا العالم "هو من أجل "المطالبة بـ" ثراء الحاضر)"N, 103(، أي حياة مكثفة حالية وحاضرة. "الثراء" هو بالضبط ما يخدعنا الأمل به ،وذلك بأن يعلمنا أن نشيح النظر عنه نحو حياة الآخرة .فحينما نذعن لحقيقة أن "توقنا للاستمرار" سيكون مُح بطا، ونقبل" الوعي بالموت"، عندها نستطيع الانفتاح على ثروات الحياة، التي تفوق كل شيء مادي.
يضع كامو جانبي حجته في بيان واحد:" العالم جميل، ولا يوجد خارجه أي خلاص)"N, 103(. سيستطيع الفرد أن يقدر الحياة ليس فقط في جانبها المادي، بل أيضا جانبها العاطفي والعلائقي، كما يقترح كامو، ولن يكون له ذلك إلا بقبول الموت والتخلي عن كل أمل. اتخاذ القبول والتخلي معا، يأتي على عكس الإيمان بالإله وحياة الآخرة الذي يتعذر التحقق منه، فهما مما يمتلكه المرء ويعرفه:" إن شعور المرء بروابطه تجاه أرض ما، محبته لأشخاص معينيّ ،ومعرفة أن هناك مكانا يمكن لقلبه أن يستريح فيه، تعدّ يقينيات كث يرة لحياة المرء الواحدة)"N, 90(.
فقط حينما نقرّ بأن نيتشه على حق، وأن الإله قد مات ولا يوجد إلا العدم بعد موتنا ،فسوف سنجرب بعد ذلك، ونشعر، نتذوق، نلمس، نرى، ونشم مُتع أجسادنا والعالم المادي. وبالتالي، فإن الجانب الحسي والغنائي لهذه المقالات ،إلى جانب طابعها المثير للعواطف، أمر أساسي للحجة. أو لأن كامو يشجع على تجربة مادية مبهجة ومكثفة، كمعارض لإنكار الذات في الحياة الدينية، بدلا من تطوير حجة، حيث يؤكد أن هذه التجاربهي الاستجابة الصحيحة .تهدف كتاباته إلى برهنة ما تعنيه الحياة وماهية الشعور بها عندما نتخلى عن الأملفي الحياة الآخرة، حتى نتوصل عند قراءاته "لرؤية" فكرته. ربما تؤخذ هذه المقالات على أنها تحوي أفكاراشخصية للغاية، وتأملات شاب ح ول بيئته "المتوسطية"، والذي يبدو أنه من النادر أن يملكوا نظاما .لكنهم يطرحون ماهية الفلسفة بالنسبة لكامو وكيف تُص وّر علاقتها بالعبارة الأدبية.
يمكن أن تنقل فلسفته المبكرة، إن لم تكن تلخص ،في هذا المقطع من) أعراس في تيبازة:(
بعد لحظة، سوف أرمي بنفسي بيّ نباتات الأفسنتيّ، لاستنشق رائحتها وتدخل جسدي، كان علي أن أعلم أن المظاهر بعكسها، وأنني أحقق الحقيقة وهي حقيقة الشمس، والتي أيضا ستكون حقيقة موتي .بمعنى ما ،هي حياتي التي أراهن عليها، حياة لها مذاق الحجر الدافئ، مليئة برموز البحر وغناء الصراصير المرتفع. النسيم بارد والسماء زرقاء .أحب حياة الانعتاق، وأتمنى الحديث عنها بجرأة: تجعلني فخورا بإنسانيتي. ومع ذلك يخبرني الناس باستمرار: أنه ما من شيء يستحق أن أفخر به. بلى، هناك الشمس، البحر، قلبي الذي ينضح شبابا ،ملوحة جسدي، المناظر الخلابة التي يندمج فيها المجد والحنان بالأزرق والأصفر .ولقهر ذلك أحتاج لقوتي وطاقتي. كل شيء هنا يدعني سليما، لا أضحي بشيء من نفسي، ولا أرتدي أي قناع، أتعلم بأناة ومشقة كيفية العيش، وهو أمر كاف لي، يوازي كل فنونهم للعيش) .N, 69(
يخبرنا الحاضر المضيء أن بإمكاننا تقدير الحياة وتجربتها، بشرط أن نكف عن محاولة تجنب موتنا المطلق والحتمي.

تعليقات
إرسال تعليق