القائمة الرئيسية

الصفحات

كامو وعالم العنف: )الإنسان المتمرد

  



يتبع هذا التأمل حول العبثية والانتحار، نشر أول رواية لكامو وهي )الغريب(، والتي تركزت أيضا على التجربة الفردية، إذ تدور حول جريمة قتل حمقاء ارتكبها البطل في حق عربي، على شاطئ في الجزائر، وتختتم بإعدامه بالمقصلة.  يُنسى في الغالب أن هذا الروائي العبثي والفيلسوف، كان أيضا ناشطا سياسيا- فقد كان عضوا في الفرع الجزائري للحزب الفرنسي الشيوعي منتصف الثلاثينات، وكان منظما لمؤسسة المسرح الجزائري التي قدمت طليعة الجيش ومسرحيات سياسية، إضافة لكونه صحفيا محاربا. منذ أكتوبر عام 1930 حتى يناير 1940 عمل كامو في صحيفة الجمهورية الجزائرية إلى جانب صحيفة أخرى شقيقة. وفي يناير 1939،  كتب سلسلة من المقالات عن الفقر والمجاعة في منطقة قبائلية جبلية ساحلية، وكان من بيّ أوائل المقالات التفصيلية المكتوبة من قبل أوروبي جزائري، واصفا الظروف المعيشية البائسة للسكان الأصلييّ .

بعد بدء الحرب العالمية الثانية، أصبح كامو محررا في صحيفة Le Soir républicain وكان معارضا دخول فرنسا للحرب  .كان مشهد كامو ومعلمه باسكال بيا وهما يديران الجناح اليساري يوميا داخل الأرض، لأنهما رفضا المطلب الملحّ بمقاتلة النازية، من أكثر المشاهد البارزة في حياته،  وقلما لفت إليها النظر. وقد دافع كامو عن فكرة التفاوض مع هتلر-مسيئا فهم النازية منذ البداية- التي من شأنها أن تقلب خزي معاهدة فرساي .حبه للسلام كان تضامنا مع التقاليد الفرنسية العتيقة، وقد كانت تقارير كامو عن السلك الحربي من باب التضامن مع أولئك الشباب، مثل أخاه الذي أصبح جنديا  .كان لديه عزم على الخدمة بإخلاص، والدفاع عن التفاوض السلمي في الثكنات، إلا أن كامو كان غاضبا من أن مرض السل  كان سببا في استبعاده .

 .)Lottman, 201–31; Aronson 2004, 25–28(

هذه الحقائق المتعلقة بسيرة كامو الذاتية مرتبطة بتطوره الفلسفي بعد )أسطورة سيزيف(. انتقل إلى فرنسا ،وانخ رط في مقاومة الاحتلال الألماني في رسالتيّ "إلى صديق ألماني "وقد نشرت سرا عام 1943 و1944، حيث تفكر كامو في مسألة ما إذا كان العنف ضد المحتل مبررا. وقد تحدث عن "الكراهية التي حملناها نحن )الفرنسييّ( تجاه الحرب"، والحاجة إلى "معرفة ما إذا كان لدينا الحق في قتل الرجال، لو سمح لنا أن نضيف بؤسا مخيفا لهذا العالم".  كان محتقرا الحرب، مرتابا من البطولة ، وادعى أن المحتل الفرنسي قد دفع ثمن دخوله هذا المنعطف "بأحكام السجن، والإعدام فجرا ،والتهجير والانفصال، ووخزات الجوع اليومية، والأطفال الهزالى ،وفوق كل ذلك، إهانة لكرامتنا الإنسانية)"RRD, 8(. عندما كنا على "أعتاب الموت" و "متخلفيّ بقوة "عن الألمان ،عندها فقط فهمنا أسباب القتال، ومن هذه اللحظة صرنا نعاني بضمير مرتاح و"أياد نظيفة ".كانت قوتنا الأخلاقية متجذرة بداخلنا من حقيقة أننا نقاتل من أجل العدالة والبقاء الوطني. استمرت الرسائل التالية في مقارنة الفرنسييّ مع الألمان على أسس أخلاقية مستمدة بشكل مباشر من فلسفة كامو، وتشير في ثناياها بالتحول من )أسطورة سيزيف( إلى )الإنسان المتمرد(: لو أن كلا العدوين قد أحسّا بشعور عبثية العالم ،فإن الفرنسييّ قد عاشوا هذا الوعي وعرفوه على حد زعمه، بينما سعى الألمان للتغلب عليه عبر السيطرة على العالم.

إن التزام كامو بمناهضة النازية وخبرته الصحفية قادته لخلافة بيا كمحرر في مارس 1944 لصحيفة Combat،  والتي تعتبر الصحيفة الرئيسة للجناح اليساري غير الشيوعي .مع ذلك، استمر سؤال العنف بعد التحرير بالاستحواذ على ذهن كامو، سواء كان بصورة سياسية أو فلسفية  .كان رمزه خلال سنوات الحرب رواية )الطاعون(، التي تصف مقاومة غير عنيفة لوباء يتعذر تفسيره، وفي عام 1945  كان أحد الأصوات القلائل التي صعدت احتجاجها على استخدام أمريكا للأسلحة النووية ضد اليابان . )Aronson 2004, 63-61(. لقد عارض كامو، بعد التحرير ،عقوبة الإعدام للمتواطئيّ، وانقلب على الشيوعية والماركسية لتأجيجها للثورة ،رافضا الحرب الباردة المرتسمة، وعنفها المهدد ،حيث بدأ في )الإنسان المتمرد( بنثر فهمهالعميق للعنف

تعليقات

التنقل السريع