القائمة الرئيسية

الصفحات

 

 

في بداية )الإنسان المتمرد( يستأنف  كامو ما أهمل الحديث عنه في )أسطورة سيزيف(. حيث يكتب من جديد كفيلسوف ،عائدا إلى ميدان الجدل عبر شرح لما يتضمنه المنطق العبثي. وقد كانت "الخلاصة النهائية "في "نبذ الانتحار، وقبول المواجهة البائسة بيّ صمت الكون والتساؤل الإنساني."  وإذا خلص إلى غير ذلك، فإن ذلك سينفي فرضيته، أي وجود المتسائل، بأن العبثية يجب أن تقبل الحياة بشكل منطقي كشيء جيد بالضرورة.

"والقول بأن الحياة عبثية، يجب أن يكون بوعي حي) ".R, 6, tr. changed(. الحياة والأكل "تثمنان الأحكام بنفسها" )Camus 1968, 160(. "أن تتنفس يعني أن تحكم ".  كما في نقده للوجودييّ ،يدافع كامو عن وجهة نظر واحدة يمكن من خلالها أن نجادل بالصدق الموضوعي ،ألا وهي الاتساق.

للوهلة الأولى، بدا أن موضوع الكتاب له موضوع تاريخي أكثر من كونه فلسفي ."إن غرض هذا المقال هو...لمواجهة حقيقة الحاضر ،وهي جريمة منطقية ،وفحص دقيق للحجج لتبريرها، إنها محاولة لفهم الزمان الذي نعيشه. قد يظن المرء أن هذه الفترة، التي ستكون في غضون خمسيّ عاما، قد اجتثت، واستعبدت ، وقتلت سبعيّ مليونا من البشر، يجب أن تدان بشكل خارج عن السيطرة، لكن أحقية اللوم هي ما يجب فهمه".(R, 3 (.

هل تمثل هذه الأسئلة فلسفة جديدة، أم أنها استمرار لـ )أسطورة سيزيف(؟ إن التفسيرات التي قدمها كامو في تنقلاته بيّ الصفحات الأولى من )الإنسان المتمرد( لم تقدم حلا للمسألة، في إشارته لجرائم القتل الجماعي منتصف ثلث القرن العشرين .يقول كامو أن الانتحار قد تعزز مرة في "عصر الإنكار"، لكن الآن في "عصر الأيديولوجيات، يجب أن ندرس موقفنا تجاه جرائم القتل) "R, 4(. هل تغيرت "العصور" في أقل من عشر سنوات بيّ الكتابيّ؟ ربما يكون على حق في أن التساؤل عما إذا كان للقتل أسس عقلانية هو "السؤال المضمن في دم وصراعات هذا القرن"، لكن تغيير تركيزه من الانتحار للقتل، يوضح لنا أن كامو قد حوّل توجهه الفلسفي من الفرد إلى انتماءنا الاجتماعي.

في هذا الصدد، طبق كامو فلسفة العبث في اتجاهات اجتماعية جديدة ،وسعى للإجابة على أسئلة تاريخيةجديدة. لكن، بينما نراه يقوم بهذا الأمر في بداية )الإنسان المتمرد(  كان الاستمرار بقراءة فلسفية لـ "الغريب "واضحا بشكل ملفت. في إعادة رواية )الغريب(، يعيد الروائي كامل داوود الرواية من وجهة نظر الضحية، ليصف قاتل" نسيبه" العربي بشكل صحيح على أنها جريمة فلسفية.(Daoud, 19 (. يوضح كامو في بداية )الإنسان المتمرد:(

 

يكمن إدراك العبث عندما نطالب لأول مرة باستنتاج قاعدة سلوك منه، الأمر الذي يجعل القتل يبدو، على أقل تقدير، مسألة غير مهمة، وبالتالي ممكنة ... لا يوجد هنا سلب أو إيجاب: القاتل ليس مخطئا ولا مصيبا. نحن أحرار بأن نلهب نيران المحرقة، أو بأن نكرس أنفسنا لرعاية مرضى الجذام .فما الشر والفضيلة إلا محض نزوة أو فرصة. )ص، 5(

إذا كان "القتل هو المشكلة الحالية" تاريخيا، فإن المواجهة مع العبث تخبرنا بأن الشيء ذاته صحيح فلسفيا .فلو أننا استبعدنا الانتحار، فما لذي يمكن قوله عن القتل؟ 

بدءا من غياب الإله، الموضوع الرئيس في) أعراس( وحتمية العبثية، الموضوع الرئيس في )أسطورة سيزيف(، يقوم كامو بمزج كلا هذين الموضوعيّ في )الإنسان المتمرد(، لكن إلى جانب ذلك  كان يلفت الانتباه إلى الثو رة. تفترض عملية التمرد حالة المعطى الأول للتجربة الإنسانية مثل الكوجيتو الديكارتية التي أخذها سارتر نقطة انطلاق له .وضح كامو ذلك بشكل مباشر تحت إلهام قراءته لكتاب )الوجود والعدم(. لكن في تسميتها "ثورة "كان قد أخذها في شكل مختلف تماما عن سارتر، الذي بناها من الكوجيتو "مقالة في الوجودية الظاهراتية." بعد ذلك بدأ كامو في الاهتمام بالقضايا المباشرة التي تخص التجربة الإنسانية الاجتماعية، متجاهلا البعد الوجودي بشكل تام .وللتأكيد، لا تزال الثورة تشمل التمرد ضد العبثية التي وصفها كامو في )أسطورة سيزيف(، ومرة أخرى سيتحدث عن التمرد ضد فناءنا، وخلو هذا الكون من المعنى وانعدام ترابطه. لكن )الإنسان المتمرد( تبدأ بنوع من الثورة التي ترفض الاضطهاد والعبودية، وتحتج ضد خلو العالم من العدالة .

هي في البداية مثل )أسطورة سيزيف(، تمرد فرد واحد لكن يصرّ كامو على أن الثورة تخلق القيم، الكرامة، والتضامن.  كان بيانه المتناقض "أنا أثور، إذا أنا هنا". لكن  كيف يمكن لأنا أن تؤدي إلى نحن؟ كيف تكون "نحن" تابعة من "أنا أثور"؟  كيف يمكن لتجربة العبثية الفردية، والتمرد ضدها ،توقف، تنتج، تلمح، أو تنطويعلى شعور اجتماعي واسع بانعدام العدالة والتضامن؟ في الواقع جاءت "نحن" موضوعا لـ )الإنسان المتمرد( رغم أن عنوان صحيفة  L’Homme revolté يوحي بأن دافع الفرد الأصلي ربما يكون فرديا. إن العمل ضد الاضطهاد يتضمن اللجوء إلى القيم الاجتماعية، وفي نفس ال وقت الانضمام إلى الآخرين في النضال .

وعلى كلا المستوييّ، يبقى التضامن هو وضعنا المشترك .

يتخذ كامو خطوة إضافية في )الإنسان المتمرد( والتي استحوذت على معظم الكتاب، لتطوير مفهومه للتمرد التاريخي والميتافيزيقي في معارضته لمفهوم الثورة. قام كامو بتطبيق مواضيعه الفلسفية مباشرة على السياسة في السنوات التي تلت تحرير فرنسا عام 1944، وكان قد خلص بالفعل إلى أن الماركسييّ وخاصة الشيوعييّ مذنبون في التملص من عبثية الحياة عبر تحول جماعي للمجتمع، والذي كان بالضرورة تحولا عنيفا. والآن في )الإنسان المتمرد( يصف ذلك على أنها النزعة الرئيسة للتاريخ الحديث، مستخدما مصطلحات مماثلة كتلك التي استخدمها في )أسطورة سيزيف( لوصف المراوغات الدينية والفلسفية .

أي نوع من العمل هذا؟ في كتاب مغلف بالمعاني السياسية، لا يقدم كامو أي جدل أو كشف سياسي صريح ،ويقدم القليل في طريق التحليل الاجتماعي الحقيقي أو دراسة تاريخية متماسكة. إن  كتاب )الإنسان المتمرد( هو بالأحرى، مقالة فلسفية مؤط رة عن الأفكار الأساسية  ومواقف الحضارة. حيث يقترح دافيد سبرينزن هذه المواقف المضمونة ل تُوظف ضمنيا في ظروف المشاريع الإنسانية، ونادرا ما تكون مدركة)Sprintzen

 .)1988, 123

شعر كامو بأن دراسة هذه المواقف بشكل نقدي قد أصبح ملحّا، في عالم أصبح فيه القتل المدروس أمرا شائعا .لقد قام بتطبيق أفكاره ورؤاه العبثية على السياسة، وفي )الإنسان المتمرد( فشرح ما يعتبره رفضا متزايدا ومنظما وكارثيا من العالم الحديث في مواجهة، قبول، والتعايش مع العبثية. يقدم الكتاب وجهة نظر فريدة من نوعها، ليقدم بنية متماسكة وأصيلة للفرضية ،المزاج ،الوصف ،الفلسفة ،التاريخ،  والانحياز أيضا.

تعليقات

التنقل السريع